الشيخ الطوسي
167
التبيان في تفسير القرآن
يقال غص بريقه يغص غصصا ، وفي قلبه غصة من كذا ، وهي كاللدغة التي لا يسيغ معها الطعام ولا الشراب . وقوله ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) اخبار من الله تعالى وخطاب للمكلفين في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده بأنه أرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده ( شاهدا عليكم ) بقبولهم إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا ( كما أرسلنا ) أي أرسلناه إليكم مثل ما أرسلنا ( إلى فرعون رسولا ) يعني موسى ابن عمران عليه السلام . ثم اخبر عن فرعون فقال ( فعصى فرعون الرسول ) يعني موسى ، فلم يقبل منه ما أمره به ودعاه إليه ( فأخذناه أخذا وبيلا ) أي اخذا ثقيلا شديدا عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله ، وكل ثقيل وبيل ، ومنه : كلا مستوبل أي متوخم لا يستمرء لثقله ، ومنه الوبل ، والوابل ، وهو المطر العظيم القطر ، ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة : فمرت كهاة ذات خيف جلالة * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد ( 1 ) الوبيل - ههنا - الغليظ من العصى و ( كهاة ) ناقة مسنة و ( الخيف ) جلد الضرع و ( يلندد ) شديد الخصومة . قوله ( فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) أي إن كفرتم بالله وجحدتم نعمه ، وكذبتم رسوله ، وإنما جعل الولدان ، وهم الأولاد الصغار شيبا لشدته ، وعظم أهواله ، كما يقال : قد حدث أمر تشيب منه النواصي . وقيل : ( يوما يجعل الولدان شيبا ) على وجه المثل ، والشيب جمع أشيب ، يقال : شاب الانسان يشيب شيبا إذا ابيض شعره . ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضا فقال ( السماء منفطر به ) أي متصدع بشدة ذلك اليوم ، وإنما لم يقل منفطرة ، لأنه جرى
--> ( 1 ) ديوانه 38 وتفسير القرطبي 18 / 48 .